إشراقات:المقالــــة فـــــنّ

إشراقات:المقالــــة فـــــنّ

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/23

هي أصعب الأجناس الأدبيّة وإن بدت أسهلها لمن لا يعرفها ويستهين بها ويمارسها كيفما شاء متوهّما أنّها كتابة حرّة لا تخضع لمقاييس ولا تراعي الأصول. والذين جرّبوها وقد كتبوا القصّة والرواية اكتشفوا أنّها أكثر تقييدا من القصّة والرواية، وفيها ما في الشعر ممّا يشبه الومضة القادحة المولّدة للفكرة والأسلوب، كما أنّها تتطلّب ما يتطلّبه الشعر من البحث والتفكير عن الموضوع ثمّ عن طريقة تناوله. 
وحسب تجربتي المتواضعة فيما حرّرت وجمعت من المقالات، خاصّة في كتابيّ «ثلاثيّات ثقافيّة» (1983) و»ثنائيّات فكريّة « (2017) وهذه الـ «الإشراقات» المتسلسلة في «الشروق» منذ 2018 أصبح بإمكاني تشخيص هذا الفنّ الأدبيّ في ضوء ما يلي من القواعد والشروط والاعتبارات والملاحظات.
وأبدأ بالمقالات التي لا أقرؤها أو أقرؤها قفزا عبر الفقرات لتجميع المعنى الإجمالي. هي تلك المقالات الطويلة المطوّلة والشبيهة بالخرسانة الإسفلتيّة والتي نعتت أقلامها بالإسهال والتي أفزع لمرآها مغطّية صفحة كاملة أو نصفها في زحمة المواضيع والصور والإعلانات الإشهاريّة. ومعناه أنّ الكاتب الناجح هو الذي يحترم القارئ في الوقت الثمين فيختصر له النصّ دون إخلال بالمضمون بدل أن يثير ضجره بعد أن يستنفد صبره. 
ويترتّب عن هذا الاختصار – باعتبار البلاغة إيجازا – أن يعرف الكاتب البارع  من أين تؤكل الكتف فيختار الطريق الموصلة والمنهج الهادف والكلمة التي تغني عن كثرة الكلمات  والأسلوب المشوّق و أحيانا التعبير المثير بالسخرية أو بالفكاهة، ليشدّ القارئ إلى مقالته منذ الكلمة الأولى، بل منذ العنوان مبنى ومعنى، مع حسن الختام الراسخ في الأذهان كما هو النقش على الرخام.
وما أكثر الأفكار والمواقف التي تتراءى للكاتب يوميّا، من وحي الشأن العام، وحتّى من الظرف الخاص الذي لا تخلو الكتابة عنه من فائدة عامّة ! الأفكار ملقاة على الطريق ولكن ليس كلّ شيء جديرا بالكتابة. وما هو جدير بها ليس بالضرورة مناسبا للمقالة، بل ربّما يكون أنسب للأقصوصة أو للقصيدة أو للخاطرة من نوع اليوميّات والمذكّرات. إنّ ما يسكب في قالب المقالة ينبغي أن يتقمّصها تقمّص الجسم للثوب فيكون أحدهما على قياس الآخر، وكلاهما  أنسب لبعضهما بعضا دون غيرهما.
والمقالة الجيّدة هي الممتعة والمفيدة والمباشرة، لا الطويلة ولا الثقيلة ولا المعقّدة. أليس وضوح التعبير دليلا على وضوح التفكير ؟ 
لذلك ألزمت نفسي وقلمي بمراعاة شروط النجاح كلّما أعددت الورق لتحبير مقالة مؤمّلا أن يقرأها الجمهور الكبير دون عناء أو تكلّف أو تظاهر أو غرور. لذلك أكتبها بلغة بسيطة مفهومة دون ابتذال، وحسب تخطيط واضح دون لفّ ودوران، وبتدرّج بالغ لما أريد من الإقناع والتأثير. ذلك يسمّونه السهل الممتنع، وهو قمّة الأدب التي لا يبلغها إلاّ القلّة في حين يظلّ كثيرون يتخبّطون في الكلام الطويل العريض وقرّاؤهم القليلون يتساءلون في حيرة عن البداية والنهاية وعمّا يريدون. وهذا يعرفه كبار الكتّاب أولئك الذين طرحوا أخطر القضايا على أعمدة الجرائد وأثاروا حول مقالاتهم وأحاديثهم الأسبوعيّة أعتى النقاشات وأشدّ الردود، ثمّ جمعوها في كتب هي إلى اليوم مراجع أساسيّة في التعليم والثقافة. ومثال طه حسين يذكّر بالآخرين. 
أولئك قدوتي فيما نشرت ثمّ جمعت من كتاباتي، بحرص على أن تبقى صالحة، مفردة كانت أو مجموعة صارت، وقد عرضت عليها وفيها مسؤوليّة الشهادة على نفسي وزمني بعد أن أبت حملها الأجناس الأخرى. فهل أخطأت ؟ القارئ وحده قادر ليجيب، والله من ورائه شهيد.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

لن تطول المدّة بالفرقاء السياسيّين حتّى تحصُل القناعة لديهم بأنّ منهج المناكفة خاطئ ولن يزيد الاّ
20:00 - 2018/12/18
تهلّ هذه الأيّام الذكرى الثامنة لحدث الثورة، وهي دونما شكّ ذكرى سنويّة تبقى فرصة لتقييم المنجز وا
20:00 - 2018/12/18
ليس جديدا انكسار الخطاب العربي تحت وطأة الازمة الادراكية للوعي التي تلحظ خاصة في بعض استثناءات ال
05:17 - 2018/12/18
النفطي حولة (ناشط سياسي ونقابي وجبهوي مستقل)
20:30 - 2018/12/17
عندما نتطرق للحديث عن الدولة الوطنية لنخوض بعمق في مفهوم المواطنة لابدّ لنا من التذكير أولا بما ق
20:30 - 2018/12/17
بقلم: محمد العروسي الهاني
20:30 - 2018/12/17
تتلبّد في سماء البلاد سحب كثيفة توحي وكأننا مقبلون على شهر جانفي ساخن..
20:00 - 2018/12/17
.. وأنت ايتها الجمعية..
20:00 - 2018/12/17