إشراقات:مــــن نحـــــــــن ؟

إشراقات:مــــن نحـــــــــن ؟

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/12/06

في أقلّ من ثماني سنوات – المدّة التي نؤرّخ بها مرحلة الروضة من عمر ثورتنا « المجيدة « – سقطت في سلّة الإهمال والنسيان عبارات، وطفت على سطح المياه الراكدة كلمات . وخير مثال لهذا وذاك أخبارنا التي فقدت من قاموسها : أمر وأذن وعزل وعيّن ووضع حجر الأساس ودشّن ... وصارت - أي تلك الأخبار - مرتعا للفوضى وأخواتها بمثل : احترق وانتحر وغرق واعتدى واغتصب واعتصم وقطع وخرّب وسرق واجتاز وهرّب وفجّر ... مع مشتقّاتها مثل إرهاب وتهريب وانفجار واعتصام واحتقان واحتجاج ومداهمة ومحاكمة، وتوابعها من التلوّث والأوساخ والفساد والتجارة الموازية و الانتصاب الفوضوي والبناء العشوائي والسلعة النافقة والاحتكار وغلاء الأسعار وسقوط الدينار .. وأنعم بها من أخبار تسرّ السامعين و الناظرين من عنف الملاعب إلى تلاسن النوّاب إلى سياحة الأحزاب إلى أضرار الأمطار وفيض الأنهار . 
هكذا فهمنا – نخبة وجمهورا – الحرية والديمقراطية على أنّهما ستار للانتهازية بصفر من الوطنية وانعدام المسؤولية، فإذا نحن نتبادل التهم، وننتقد والعيب فينا، ونطالب الحكومة ولا نعمل، ونطيح بالاقتصاد مدّعين الوقوف للبلاد، سواء بتعطيل إنتاج الفسفاط أو بإهراق الحليب في الطرقات أو بالقروض والديون مع الإكراهات . ومازلنا نقول مردّدين : « الله يقدّر الخير « وقدرنا يضيع من بين أيدينا. فمن أين نبدأ إذا كان كلّ شيء يحتاج إلى المراجعة و الإصلاح والتضحية ؟ 
ولكنّي أفضّل تأجيل الإجابة عن هذا السؤال لانشغالي الآن – بعد صدور مجموعتي القصصية « ربيع الهلوسة « بماهو مستعجل وخطير، وأعني العدوان المكرّر والممنهج – أي بسابق الإضمار والترصّد – على معالمنا التاريخية على طريقة الدواعش في العراق وسوريا واليمن على أنّ الإسلام يجبّ ما قبله – بالمعنى الخطإ – أي بهدم آثار الجاهلية وما قبل التاريخ لتكون البداية بظهور الإسلام، فلا معنى عندئذ لبلد ذي ثلاثة آلاف سنة من الحضارة . بهذا الجهل طالت الأيادي الآثمة الحنايا الرومانية، مفخرة المحمّديّة وتونس من عهد قرطاج، وطالت بعدها سور المنستير العتيقة، كما طالت قبلها قوس غار الملح الأثري ومحراب جامع تستور الموريسكي . انتهاكات احتفاليّة تمّت بإشراف السلطة المحلّية أو بتجاهلها في حقّ تراثنا رمز هويّتنا وعنوان تاريخنا . انتهاكات كان المفروض أن تكون تدخّلات للإبراز والصيانة والتثمين والتوظيف . وإذ وقع المحضور وجب على وزارة الإشراف أن تندّد وتستنكر، بطريقة جامعة الدول العربية، إلى أن تمرّ الأيّام وتنسى الآلام دون الاضطرار إلى الردع وتدارك الأمر ووضع الحدّ، إلى أن تقع كارثة أخرى في غياب المتابعة والمحاسبة وحضور التحريض والتنويه . وهذا أيضا من أشواك الحرّية والديمقراطيّة، يقع بدافع الطمع في أصوات الناخبين، دون تقدير لمآثر الأوّلين . فلنقلها مرّة أخرى : « الله يقدّر الخير « . 
هل عرفتم الآن من أين نبدأ ؟ نبدأ من المدرسة بدرس التاريخ .. نبدأ من الصفر حتّى لا يكون الصفر معدّلنا في الوطنية وفي الإنسانيّة : عندئذ لا يحتقرنا أحد بالسؤال : «من أنتم «؟  

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تتلبّد في سماء البلاد سحب كثيفة توحي وكأننا مقبلون على شهر جانفي ساخن..
20:00 - 2018/12/17
.. وأنت ايتها الجمعية..
20:00 - 2018/12/17
لا أسمح لنفسي بإعادة ما كتبت عن « الموسوعة التونسيّة « في نسختها الورقيّة في علاقة بسيرتي الذاتية
20:00 - 2018/12/16
بات الأمر واضحا الآن. فقد اختار معسكرا الأزمة الماثلة المضي قُدما نحو المواجهة.
20:00 - 2018/12/16
يعيش الشارع في تونس هذه الأيام على وقع الغضب الذي يتصاعد يوما بعد يوم ....
20:00 - 2018/12/15
هكذا وصلنا المصحف العثماني بنظائره الأولى مرتّب السور حسب الطول مخالفا الترتيب الزمني للوحي حسب أ
20:00 - 2018/12/15
نحن على عتبة الفقر السياسي حيث تشرئبّ الأعناق لرؤية هلال الانتخابات «الديمقراطية الشفافة الحرة ال
20:00 - 2018/12/15