إشراقات .. دروس الموت والحياة

إشراقات .. دروس الموت والحياة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/02

ودّعنا رئيسنا المحبوب بلوحة فسيفساء من روائع تاريخنا جمعتنا ألوانها كما أحبّ وحرص على أن نكون مجتمعين على مصلحة الوطن براية واحدة ونشيد موحّد،  متوافقين على الحوار دون إقصاء،  محترمين مبادئ الجمهوريّة في ذكراها وروح الديمقراطيّة في تراتيبها وحتّى في إكراهاتها الموجبة للصبر. 
رفعنا صورته مع العلم، وهتفنا بالدعاء ووعدنا بالوفاء، وامتزجت الدموع بالزغاريد والتصفيق،  وكأنّه لم يمت. فكيف نرثي من حباه الله والشعب بحبّ وتبجيل وأسكنه المولى قلوب الكبار والصغار والنساء والرجال، تبشيرا بإسكانه فراديس الجنان؟ كيف نرثي من ستظلّ روحه حيّة بيننا تنصحنا فنهتدي بها حتّى لا نتراجع في مكاسبنا ولا نحيد عن مسارنا كمجتمع مدنيّ منظّم بدستور ودولة منيعة من الفوضى والخونجة بمؤسّسات تضمن الانتقال السلس عند الطوارئ وتثبّت المضيّ في سبيل تحقيق الآمال مهما كانت الصعوبات ؟ بذلك ولذلك نحظى بتقدير العالم وإن ليس لنا ما لأشقّائنا من ثروات النفط والمعادن بل لنا « المادّة الشخماء «بعبارة الزعيم الحبيب،  ذلك الأسد الذي منه هذا الشّبل. 
فأيّ معنى بقي لي لأدّعي إضافته إلى تعبيرات الصورة المباشرة يوم الجنازة المهيبة،  وأكاد أقول الرائعة والجامعة بين الألم والأمل،،  بين الحزن والامتنان مجسّدة الآية الكريمة: «يا أيّتها النفس المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي» (الفجر : 27 – 30)؟ 
صورة لافتة من أرشيف حياته النضاليّة وشخصيّته الاستثنائيّة عند استقباله الأبويّ لطفل كأيّ طفل من أبناء تونس. انحنى عليه وأمسك بيده وقاده إلى مكتبه وأجلسه على كرسيّ الرئاسة وهو يقول له: «بإمكانك أن تصير رئيسا .. وستكبر بحجم هذا الكرسي.. ها قد صار لدينا رئيس .. هل اتّفقنا؟» ويضيف وقد استحلى الطفل الجلسة البريئة : «لا تطوّل». يقولها مبتسما للطفل مادّا يده إلى يده لمساعدته على النزول بلطف عن الكرسيّ تدريبا عفويّا على تحمّل المسؤوليّة مع التداول على السلطة رفضا للحكم مدى الحياة.
صورة حميميّة ذكّرتني بسلوكي زمن التعليم. من ذلك التزام أخلاقيّ بالتوافق مع تلامذتي يقضي بأن يبادر من لم يتمكّن من إعداد عمله المنزليّ لأيّ سبب من الأسباب التي لا أريد إحراجه بالكشف لي عنها فيصارحني قبل الدخول إلى القسم، فلا إثم عليه ما لم يبالغ في استغلال طيبتي وتفهّمي لظروف الأبناء والأولياء من خصام أو مكروه. فإذا ظنّ أنّي قد لا أفطن به وصادف أن تفقدّت أعمال التلاميذ يومئذ – عملا بالواجب بين الحين والحين – واكتشفت تقصيره لمته على تفويته على نفسه فرصة العفو وعاقبته بـ«ملاحظة» . فإذا قصدت الإدارة لتسجيلها – عادة في فترة الاستراحة – ولحق بي،  بحافز من ضميره أو زملائه،  معتذرا متوسّلا وملتزما واعدا مزّقت العقوبة أو احتفظت بها لـ «حساب» جديد إن لم يف بوعده والتزامه، فإن نسيتها وتجمّعت في محفظتي مع غيرها لغيره وزّعتها عليهم في آخر حصّة من العام الدراسي للذكرى على سبيل الدعابة مع الحرص الدائم على اجتناب الحقد والظلم. 
هكذا أكون قد أدّيت وواجبين : التعليم والتربية . ويكون تلامذتي قد فهموا أعظم الدروس من القيم الإنسانيّة في صور تطبيقيّة. ومنها الصراحة والصدق والعفو من دون مبالغة تؤدّي إلى تقصير لكثرة التسامح أو إلى تنفير لشدّة العقاب . وقد قيل: العلم في الصغر كالنقش على الحجر. وأفضل العلوم الأخلاق لما يترتّب عنها من سلوك يظهر في العلاقات . والذي لم يتمرّن على الحوار مع غيره وتقبّل الرأي الآخر في المدرسة الأولى يتصلّب فكره بعقدة « الأنا « المتضخّمة إن على صواب وإن على خطإ . وقد يصير مسؤولا متدرّجا بطريقة أو بأخرى إلى أعلى الكراسي . عندئذ لا لوم عليه بعد أن تيبّس في قالب دكتاتور غريب الأطوار رديء الأفعال . وإنّما جزاؤه عند الله . والتاريخ لا يرحم، كما قيل.
ومن يدري ؟ فلعلّ الأقدار ترتقي بأحد تلامذتي النجباء المؤدّبين إلى الحكومة أو إلى الرئاسة – إن أتقنوا لعبة السياسة – بعد أن يكون الأجل قد أخذني إلى علّيين ؟ عندئذ أكون أنا ممنونا بأداء الرسالة، ويكون هو في مستوى الأمانة .
«فبحيث» ها أنا أترحّم في صلواتي على موتانا،  ومنهم « البجبوج» العظيم الذي كان تلميذا لا يتنبّأ بالغيب، لا هو ولا معلّمه ولا أستاذه،  ثمّ ترقّى في المناصب حتّى صار رئيسا حكيما في أصعب الظروف، خفيف الروح، حاضر الجواب، يمزح ولايقول إلاّ حقّا. 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كذّابون متحيّلون بكل صدق شعبوي
20:00 - 2019/08/24
شرعنا منذ الأسبوع الماضي وكتفاعل مع اليوم الوطني للمرأة التونسية في طرح بعض الأفكار بشكل مختصر وس
20:00 - 2019/08/20
أصبحت مقولة الدوعاجي «عاش يتمنّى في عنبة مات جابولو عنقود...» تنطبق اليوم علي عديد الحالات من بين
20:20 - 2019/08/19
عرفته مناضلا فذًّا، عنيدًا،صلبًا،  نشيطًا، لا يهدأ له بال ولا يفتر له عزم، يَعتصمُ، يَتظاهرُ، يحت
20:20 - 2019/08/19
يشتكي المواطن من غلاء المعيشة فكل شيء أصبح لا يطاق، أسعار الخضر ترتفع يوميا رغم كثرتها، اللحوم لم
20:20 - 2019/08/19
بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة،تعتبر هذه الدراسة طرحا لتصوُّر بعض الرُّواد المصلحين إزاء
20:20 - 2019/08/19
استفاق التونسيون صبيحة الخامس والعشرين من شهر جويلية 2019 على نبأ وفاة رئيس الجمهورية محمد الباجي
20:20 - 2019/08/19