التفكير في التونسيّين بالخارج استراتيجيا

التفكير في التونسيّين بالخارج استراتيجيا

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/12/05

لا شك انه من المهم التوقف عند اهم التحولات التي تعيش على وقعها الانسانية وذلك بالنظر الى تاثيرها المتاكد على بلادنا . ومن اهم ما يتعين التركيز عليه هو ما يعيشه العالم من اضطراب في المستويين السياسي والاقتصادي بما يفتح دوما باب الاحتمال امام اندلاع حروب وهو احتمال اصبح -للاسف- اقرب للوقوع في كل بقاع العالم. وهذا المعطى يعكس تنامي الصراع حول الموارد الطبيعية التي تزداد ندرة وارتفاعا في الثمن وينمي ايضا الحاجة الى البحث عن «ملاذات امنة» بعيدة عن بؤر التوتر والاضطراب ويزيد بالتالي من حدة المعارك الخفية و المعلنة من اجل استقطاب الطاقات والكفاءات وهو ما يحيلنا الى مسالة نعتقد انه لم يقع لحد الان ايلاؤها ما يكفي من اهتمام واولوية وهي واقع و دور التونسيين المقيمين بالخارج . غالبا ما نكتفي حين يتعلق الامر بهذه الفئة الهامة بالاشارة الى انهم يمثلون عشر تعداد الشعب التونسي و انهم من اهم مصادر تمويل تونس بالعملة الصعبة وان اسهامهم متميز في الناتج الاجمالي الخام . هذه الاشارات لم تعد تكفي في اعتقادنا لان نسق هجرة الكفاءات الذي يتطور بشكل سريع سيؤدي في المدى القريب الى تضاعف عدد التونسييين والتونسيات بالخارج و هو ما سيغير المعطيات الديمغرافية تغييرا جذريا في ظل معطيين متلازمين وهما ان المهاجرين من الشبان وان الساكنة في تونس تتجه نحو التهرم . وحين نضيف الى ذلك ان الراغبين في الهجرة مستقبلا يخضعون لمبدا «الهجرة المختارة والمنتقاة « ندرك ان «هجرة الكفاءات « قد تكون اذا لم نحسن التعامل معها عائقا من عوائق التنمية وقد تتحول الى محفز من محفزات التنمية اذا ما اجترحنا السياسات الكفيلة بحسن توظيف الطاقات الكامنة والمهدورة لحد الان في التونسسيين بالخارج الذين تبدل «ملمحهم « كثيرا وتعاقبت اجيالهم دون ان يرافق ذلك تغير استراتيجي في التعاطي معهم في حين يتعين ان تكون هناك «ثورة « حقيقية في هذا المجال تمثل مدخلا من مداخل قطع الطريق امام قوى الثورة المضادة التي تريد ان يتواصل تهميش التونسيين بالخارج وان تفتر علاقتهم بتونس وهم الذين ساهموا في المسار الثوري و في انجاحه . 
وفي تقديرنا فان الوقت قد حان لتركيز «المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج الذي انتهى مخاض تاسيسه منذ سنتين . وهذه المدة يمكن اعتبارها الى حد كبير وقتا ضائعا ومهدورا 
وان كان منحهم وزارة فى التحوير الوزارى الأخير يعتبر رسالة ايجابية نتمنى تعزيزها بصلاحيات ومهام واضحة حتى لا يبقى ملف التونسيين بالخارج أداة ترضية وورقة سياسوية وكلنا ثقة فى هذا الاتجاه بأن النفس الحكومى الجديد لن يسقط في هذا الفخ لأنه يدرك جيدا مايلقيه ملف المهجر من رهانات استراتيجية حقيقية يتأثر لعقود فى مستقبل تونس .ويكفى أن نشير فى هذا الصدد إلى أن واضعي السياسات الاروبية يخططون لاستقطاب 90 %من مهندسي الاعلامية فى تونس على امتداد الست سنوات القادمة هذا دون أن تنسى سلك الأطباء ورجال التعليم (مقال الأستاذ عبد الحفيظ الهرقام ).
انّ التونسيين بالخارج يمثلون مصدرا هاما من مصادر الثروة الوطنية سواء من خلال اسهامهم المالي و الاقتصادي او تميزهم المهني والعلمي وهو ما يفترض التفكير عاجلا في تحويل الاهتمام بهم الى اولوية في المستوى العلمي والعملي . وكما وقع اقرار مسالك لدراسة النوع الاجتماعي في بعض شعب العلوم الانسانية فانه من الضروري التفكير في تعميق الدراسات حول التونسيين في الخارج . ومن الضروري ايضا ان تلعب سفارات تونس في الخارج ومكاتب الشركات الوطنية به دورا طلائعيا في الابقاء على صلتهم قائمة وفاعلة مع تونس . وهنا تبدو المعيقات عديدة وذات علاقة بتمادي التركيز على قاعدة الولاء قبل الكفاءة في الاختيار . ولو توفرت الكفاءة لتم التعامل مع التونسيين بالخارج «كسوق « من الناحية الاقتصادية وهو ما يفرض افرادهم بسياسات تسويقية خاصة في التحريض على اختيار تونس وجهة لكل انواع السياحة وفي الخدمات البنكية والتعليم العالي ..
ان التونسيين بالخارج عنصر مهم من عناصر اخراج تونس من ازمتها الاقتصادية وعامل مهم من عوامل تطورها العلمي والثقافي والسياسي ولا بد من الاسراع بالاهتمام استراتيجيا بهم حتى لا يكون الهدر مضاعفا ...هدر طاقاتهم وقدراتهم واساسا توظيفهم لتسريع نسق التنمية وانفتاحها على منوال تنموي جديد.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

النفطي حولة (ناشط سياسي ونقابي وجبهوي مستقل)
20:30 - 2018/12/17
عندما نتطرق للحديث عن الدولة الوطنية لنخوض بعمق في مفهوم المواطنة لابدّ لنا من التذكير أولا بما ق
20:30 - 2018/12/17
بقلم: محمد العروسي الهاني
20:30 - 2018/12/17
.. وأنت ايتها الجمعية..
20:00 - 2018/12/17
تتلبّد في سماء البلاد سحب كثيفة توحي وكأننا مقبلون على شهر جانفي ساخن..
20:00 - 2018/12/17
بات الأمر واضحا الآن. فقد اختار معسكرا الأزمة الماثلة المضي قُدما نحو المواجهة.
20:00 - 2018/12/16
لا أسمح لنفسي بإعادة ما كتبت عن « الموسوعة التونسيّة « في نسختها الورقيّة في علاقة بسيرتي الذاتية
20:00 - 2018/12/16