انعكاسات خطيرة للأزمة السياسيّة

انعكاسات خطيرة للأزمة السياسيّة

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/09/23

قد يذهبُ في اعتقاد الكثيرين أنّ الأزمة السياسيّة المُتواصلة منذ أكثر من خمسة أشهر تقفُ تداعياتها عند صراع الفاعلين السياسيّين والتنازع حول مواقع القرار والتحكُّم في السلطة ما بين قرطاج والقصبة وما يجري في المنظومة الحزبيّة من استقالات ومظاهر انهيار كبرى وما يشهده المشهد البرلماني من تبدّلات تهم الكتل البرلمانية وموازين القوى تحت قبّة باردو.
عدّة مؤشرات تدلّ على تداعيات أخرى خطيرة لهذه الأزمة السياسيّة. ومع تواصلها ستزدادُ الانعكاسات على أكثر من مستوى. وسيلحقُ الأذى مجالات وميادين أخرى دونما شكّ. ليس أقل تلك الانعكاسات التأثير السلبي على مزاج الناس وسلوكهم واتجاههم تدريجيا نحو المزيد من التوتّر والعنف.وقد أثبتت المؤشرات المتعلّقة بالجريمة مؤخرا كيف أنّ نسقها قد تزايد خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الحالية بنسبة قاربت الـ 40 % مقارنة بنفس الفترة من السنة الفارطة، وأنّ جرائم القتل وحدها قد زادت بنسبة فاقت الـ20 %.
الجميع اليوم يلحظُ حالة من مشاعر الخوف والتوجُّس العامَّة التي باتت مصدرا للرعب ورجاء الأمن والسلامة. وهي مشاعر دون شكّ متأتية من تغييب فرص لبثّ الأمل والتفاؤل لدى عامة المواطنين الذين لا يَرَوْن يوميّا إلاّ مظاهر الخيبة والانتكاسة والتراجع وتردي ظروف عيشهم وتزايد الصعوبات وتقهقر متواصل لقدرتهم الشرائيّة وتضاعف مخاوفهم على أملاكهم وسلامة أبنائهم وأسرهم.
يُضاف الى ذلك كلّه قوافل الموت في البحر والانتحار وانتشار المخدرات ومظاهر الفوضى الاجتماعيّة، على الرغم من ذلك كلّه وكأنّ النخبة السياسيّة لا يعنيها حجم الانهيار المجتمعي والمعاناة اليومية للناس. بل هي ماضية في صراعاتها وتجاذباتها وبيع الذمم وشرائها وتوزيع الغنائم وحروبها في التموقع والصراع على السلطة.
الى وقت قريب كانت لقاءات الفاعلين الكبار وجلسات الحوار في ما بينهم مبعثًا  للآمال والارتياح لدى قطاعات واسعة من المجتمع. أمّا اليوم فقد فقدت تلك اللقاءات بريقها وجاذبيّتها. إذ لا يأتي الواحد منها هذه الأيّام بما يُؤشّر لقرب إنهاء الأزمة السياسيّة الخانقة. بل تزداد المؤشرات السلبيّة التي تقدّمها الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات التي تدلّ على واقع لي ذراع وكسر عظام وتمترس لكلّ طرف في موقعه متمسّكا برأيه.
فإلى متى سيتواصل هذا الوضع المتأزّم بما فيه من تسيّب سياسي وحزبي لا يزيد الناس إلاّ نفورا من الحياة السياسيّة ويأسا من المشاركة في الشأن العام والاهتمام به. ويُضاعف من شعورهم بالتهميش ولامبالاة السياسيّين؟
النخبة السياسيّة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة هي قاطرة البناء والتشييد وشحذ الهمم وبثّ الآمال وتحفيز الطموحات وفتح الآفاق الإيجابية، الا في بلادنا فهي نخبة في عمومها تؤكّد يوميا حجم ما فيه من انتهازية ومصلحيّة وبحث عن الغنائم وعدم مبالاة بهموم ناخبيها والمواطنين بصفة عامّة.
حل الأزمة السياسيّة حالا ودون مزيد إبطاء، أكثر ممّا سيوضّح مسؤوليات الحكم وييسّر تصريف شؤون الدولة. فهو ضرورة لإعادة التوازن للمجتمع ومنحهم فرصة أخرى للأمل والانتظارات الإيجابية والجميلة.
حذار، فالمجتمع ينهار.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

  لا يكاد المشهد السياسي يشهد بعض الاستقرار حتى تختلط أوراقهُ من جديد، وقد يكون من الوجيه اليوم ا
20:00 - 2018/10/20
في بعض الأيّام تسمح الظروف لي بساعة فارغة من الشؤون أقضيها في أحد الجوامع منتظرا الأذان والإقامة
20:59 - 2018/10/19
هل توجد «شوانط» بناء في سماء كل مدينة من مدننا تعمل داخل السحب كلما أمطرت وجادت بغيثها غوثا لكل ك
20:00 - 2018/10/19
كلّما أنعم الله بالأمطار على البلاد  ظهرت ملفات الفساد للعيان في مجال البنية الاساسية التي تنخر ا
20:00 - 2018/10/19
لا شك بأن وضع الانسان المناسب في المكان المناسب قاعدة ضرورية لا مفر من الالتزام بها لإتقان أي عمل
20:00 - 2018/10/19
تتوالى وتتكدس أمامنا المؤشرات عن حدة التغييرات المناخية التي باتت البلاد عرضة لها..
20:09 - 2018/10/18
أمّا من الذين كان لهم موقف إيجابي من بورقيبة وكتبوا في معركة بنزرت أذكر الدكتور «عمر الشاذلي» فقد
20:17 - 2018/10/17