بكل موضوعيّة..ممنوع الإنجاب...وأزمة العمومي! (2-2)

بكل موضوعيّة..ممنوع الإنجاب...وأزمة العمومي! (2-2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/03/20

تناولنا في مقالنا الأسبوع السابق الحادثة المفجعة لموت الرضع في ظروف غامضة بمستشفى الرابطة المعروف بعراقة ومهنية قسم التوليد فيه. كما ربطنا بين تدهور الوضع في مجال الصحة وتدهوره في الحقل التربوي والأزمات المتتالية التي عرفها التعليم الثانوي. وتوصلنا إلى ما يشبه الاستنتاج بوجود أزمة في القطاع العمومي وتحديدا في المجالات التي قام عليها المشروع التحديثي للدولة الوطنية وبها استمد قوته ونجاحاته.
 إنّ ما يحصل وما حصل في قطاعي التعليم والصحة يعني بكل بساطة أننا أمام أزمة العمومي في بلادنا وبمعنى أكثر وضوحا: أزمة الدولة. فكيف ذلك؟
من الصعب تحديد مظاهر أزمات العمومي كافة أو التعرف على الأسباب في هذه المساحة الضيقة وإن اتسعت. لذلك سنتوقف عند سبب واحد نعتقد أنه الرئيس وهو السبب المالي المادي. 
واضح جدا أن ميزانية الدولة تعاني من أزمة وأنها تتغذى من الضرائب أكثر من مداخيل القطاعات الحيوية. ولقد تم استسهال هذا النهج في السنوات الأخيرة دون تركيز واع وجاد على الاستثمار الذي يمثل العجلة الاقتصادية الحقيقية. فكانت النتيجة ضخ ميزانية الدولة من بعض المداخيل ومن الضرائب ومن القروض الدولية ذات الفضائح والشروط المجحفة.


بالنسبة إلى الدولة فإن قطاعات مثل التربية والتعليم هي قطاعات غير ربحية بالمعنى المالي للكلمة. ولكن هنا يجب التذكير بأن الدولة تثبت هويتها كدولة من خلال الإنفاق وتأطير وضمان العمومي في الصحة والتعليم والمرافق العامة وإلا فلا توجد دولة ولن تكون هناك هيبة لشيء هلامي لا يتحسس المواطنون جدواه في واقعهم الاجتماعي.
فالدولة التي تتهاون في مجالي التعليم والصحة وتعلن استقالاتها أو عجزها عن حل مشاكل هذين القطاعين والمحافظة عليهما هي دولة تنتحر رويدا رويدا لأنها تتخلى عن وظيفتها المحددة لوجودها.
لا شك في أن الدولة في كل العالم تغيرت وظيفتها. وبدأت تتقاسم الوظائف والمسؤوليات مع القطاع الخاص . بل إنه لا شك في أن القطاع الخاص لا يظهر ولا يكبر إلا بمدى الحيز الذي تمنحه له الدولة. ولقد عرفت دول كثيرة كيف يكون توزيع الوظائف والمسؤوليات بين الخاص والعمومي. ونجح العمومي في المحافظة على عنفوانه ومصداقيته دون السقوط في الأزمات. ولكن في بلادنا المشكل قائم الذات. وظل العمومي يعاني وينهار وكأن ظهور الخاص يعني موت العمومي.


هناك فشل في مقاربة العلاقة بين الخاص والعمومي وفشل أكبر في تحديد قوة العمومي ومساحته الدنيا التي لا يجب التخلي عنها لتظل الدولة وتستمر هيبة الدولة.
كما أن دولتنا لم تفهم أن الرهان على الاستثمار يخفف من أعباء البطالة واضطرارها الى تشغيل موظفين وعمال وكوادر أكبر من طاقتها إضافة إلى تخفيف الاحتقان ضدها.
إن موضوع العمومي وأزمته الراهنة يحتاج إلى نقاش وطني حقيقي ومعمق تديره النخب الاقتصادية والسياسية. ويجب أن يكون بندا أساسيا في الأحزاب التي تنوي الترشح للانتخابات التشريعية والرئاسية.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تعلقت همتنا في المقال السابق بطرح أسئلة واضحة ومحرجة من فرط طابعها المباشر باعتبار أنها تستفز الذ
20:00 - 2019/04/23
حمدا لك يا رب على غيثك النافع
20:00 - 2019/04/23
كنت محظوظا في أوائل السبعينات بخبرة أساتذة دار المعلّمين العليا المنشقّة عن كلّية الآداب بتونس لا
20:00 - 2019/04/23
انطلق الربيع العربي من تونس لتنتشر موجة إسقاط الانظمة القائمة وغالبا بنفس التسلسل : حادثة كبيرة م
20:00 - 2019/04/21
يؤكّد علماء الإسلام من فقهاء ومفسّرين أنّ السنّة الشاملة لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله
20:00 - 2019/04/21
الجميع يتساءل عن الحل لإرتفاع الأسعار وتدهور الخدمات وإنخفاض قيمة الدينار  والإنهيار الاقتصادي
21:22 - 2019/04/18
«تونس ترابها سخون بأوليائها الصالحين»
20:15 - 2019/04/16
وهل أعظم من هذا الإجرام : يحرّفون الكلام عن مواضعه مدّعين المعرفة بعلوم الأوّلين و الآخرين ومتبجّ
20:15 - 2019/04/16