بكل موضوعيّة..ممنوع الإنجاب... وأزمة العمومي!(1 - 2)

بكل موضوعيّة..ممنوع الإنجاب... وأزمة العمومي!(1 - 2)

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/03/12

لقد بلغ السيل الزبى!
إنّ هذا المثل (بلغ السيل الزبى) هو من الأمثال العربية القديمة التي تقال في الأوقات التي تصل فيها الأمور إلى حد لا يمكن السكوت عليه، فينفد حينها الصبر؛ لأنّه قد كان من غير المتصور أو المتوقع أن تصل الأمور إلى ذلك الحد.
ويبدو لنا أن هذا هو حالنا في تونس في الوقت الراهن. وأظن أن أول خطوة من المهم الالتزام بها هي تسمية الأمور بمسمياتها وذلك أبسط مظاهر الموضوعيّة والصدق مع الواقع والذات والآخرين.
ذلك أن حادثة الموت الجماعي لعدد من الرضع هي بكل الأشكال مأساة وطنية وشعبية وسياسية وأخلاقية. نكتفي بهذه التوصيفات كي لا ننخرط في توصيفات مثل الجريمة والقتل وهي في الحقيقة كذلك إذا ما انتهجنا نهج الصرامة واعتبار أن حتى الإهمال والتسيب هما جريمة بلفت النظر عن النوايا والمقاصد.


فهل الرسالة المراد ايصالها للتونسيين هي الكف عن الإنجاب؟
نطرح هذا السؤال فقط كي نحفز على التفكير في الوضع الذي وصلنا إليه من تهرئة مكاسب تونس المتمثلة في الصحة والتعليم. فالمخيف هو أن المكاسب تحوّلت إلى مشاكل ومجالات تأزم وتأخر الشيء الذي يعني أننا أصبحنا دون مكاسب لأن بلدنا كان يفتخر بمكاسبه في مجالي التعليم والصحة ويعتبرهما من أعمدة الدولة الوطنية التونسية الحديثة.


ماذا ربحنا عندما نكون قد فقدنا مكاسب مهمة مثل التعليم والصحة ثم نخسرها ونركز على مكسب الحرية؟ أليست الحرية مكسب من أجل مزيد تراكم المنجز والمكاسب أم أنها مكسب يمحو ما سبقه؟
إننا بصدد تحقيق خسارات كبيرة وفادحة لأنها ستهدم أسس المشروع المجتمعي وستجعل من بلادنا وشعبنا مفتوحا على الأسوإ.


منذ سنتين أو أكثر أصبح موضوع نقص طب الاختصاص في بعض مستشفيات المناطق الداخلية ومنها طب التوليد يتواتر بشكل صادم دون أن يلقى هذا النقص المعالجة النهائيّة.
ونتذكر والعهد ليس ببعيد كيف أن المستشفى الجهوي بولاية تطاوين ظل دون أطباء توليد أسابيع، الشيء الذي اضطر طبيبة مختصة في التوليد صاحبة ضمير حي من القطاع الخاص إلى إنقاذ أربعة حوامل من نهاية مأساوية. كما نتذكر بنفس الأسف الذي نتجرعه اليوم بسبب موت الرضع أنّه قبل سنتين تم ّرواج أخبار موت حوامل لم يجدن من يهتم بهن في مستشفيات المناطق الداخلية.


وقبل أيام قليلة أيضا رأينا ما وصلت إليه المؤسسة التربوية في قطاع التعليم الثانوي وتابعنا فصول الأزمة بين الوزارة والاتحاد العام التونسي للشغل وما تتخلل هذه الأزمة من جهد وزارة الإشراف في الإساءة لصورة الأستاذ وهدمها وتسويق صورة تظهر المربي انتهازيا ويتعامل مع التلاميذ كرهائن من خلال الامتناع عن إجراء الامتحانات.


ماذا يحصل في بلادنا؟ لماذا انحدر الوضع إلى الحضيض؟
إن هذه الأحداث تقتل الأمل وتخلق عزوفا متعدد الأبعاد وتجعل مستقبل البلاد غامضا ورماديا حيث إن هذه الأحداث التي تضرب روح المجتمع وتوجعها تفرق التونسيين ولا تجمعهم وتزيد في اللامبالاة والسلبية وتقضي على الحماسة الوطنية وهو ما ستعبر عنه نسبة المشاركة في الانتخابات بعد أشهر. ولقد بدأت التداعيات تفعل فعلها حسب آخر التوقعات التي تشير إلى نزول نسبة توقع المشاركة السياسية إلى 30 بالمائة وأغلب الظن أن هذه النسبة قابلة لمزيد الانحدار.
إن ما يحصل وحصل وما سيحصل في قطاعي التعليم والصحة يعني بكل بساطة أننا أمام أزمة العمومي في بلادنا وبمعنى أكثر وضوحا: أزمة الدولة... فكيف ذلك؟

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

كثيرا ما نكيل بالنقد طبيعة العلاقات بين المبدعين والمثقفين في الفضاء الثقافي العربي وكيف أن الغير
20:15 - 2019/06/25
إنّ الانتماء إلى النخبة هو مسؤولية تاريخية وثقافية حضارية كبيرة وليس ترفا وصفة للتمايز أو نيلا لم
20:00 - 2019/06/23
يعتبر المسرحي محّمد إدريس الذي أهدى المعلّم أجمل تحيّة وقدم للمشاهد التونسي عصارة مهجته و روحه طو
20:00 - 2019/06/23
«وين ماشين»؟
20:00 - 2019/06/23
نور الدين بن المنجي بوعلي   (أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية)
20:00 - 2019/06/21
غِرّ أخوكم لا أدعي علما ولا فلسفة في علوم الذرّة ونفاياتها المشعّة، ولا أعرف أثرا لمدافنها حيث تق
20:00 - 2019/06/21
في العادة نستعمل عبارة « تحت الصفر» توصيفا لأتعس الحالات، ولكنّي أجوّز لنفسي بصفة استثنائيّة استع
20:15 - 2019/06/18
هو أعمى لا يرى، فافعل ما شئت حيث شئت ومتى شئت..
20:15 - 2019/06/18