حول الامتحانات .. حتى لا يعلق المجتهد النجيب ويمرّ المتقاعس الكسول

حول الامتحانات .. حتى لا يعلق المجتهد النجيب ويمرّ المتقاعس الكسول

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/06/17

عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان،  مقولة  نُردِّدها منذ الصغر،  قبل كل اجتياز لمناظرةٍ أو اختبارٍ حتى يطمئن  المُجتهدُ و ينتظر تكريما لسعيه و اهتمامه،  و يندمَ  المُتقاعس على كسله  و لامبالاته  . فالامتحان هو كالغربال يلفظُ الفاشلَ و يحتفظ بالناجحَ،  و على قدر جودة هذا الغربال يكون الفرز واضحًا  بين القادرِ و العاجز،  بين الخاسرِ و الفائز،  بين المجتهد و المتقاعسِ،  بين الذكيِّ و الغبيِّ،  بين الموهوب و العاديِّ.
لهذا السبب تولِي البلدان المتقدمة أَهميةً بالغةً عند إعدادِ و إجراءِ و تقييمِ امتحاناتها حتى لا يعلقَ من يستحق العبورَ و التشريفَ،  ويمرَّ من يستوجب المنع و التوبيخ.
 الامتحان غربالٌ صارمٌ،  صمَّمه مهرةٌ حتى تكون عيونه متجانسةً لا تتسعُ لبعضٍ من أسوإ أَنواع  "النخالة" فيمرّون،    و تتقلَّص لآخرين من أجود أَصناف الدقيقِ فيعلقون .
إن أَخطرَ عمليةٍ هي صياغة مواضيع الامتحان،  لا أَخطاءَ، لا صعوبةَ إلى حد التعجيز و اليأس،   لا سهولةَ إلى حد السذاجة و الاستخفافِ،  لا أَسئلة مبهمة تحتمل أَجوبة متناقضة،  و لا أُخرى للحظِّ النصيب الأوفر في صواب الجواب.
  الامتحان مصفاة إن عَصَرتْ فلاستخراج  ما ينفع العباد و البلاد  كالدواء من العشبِ،  و المعادنَ من الترابِ،  و الزيوتَ من النباتِ.
إذا كان الخطأ في مواضيع الامتحانات عارا،  فالتلاعب في التقييم جريمةً،  ليس في حق الممتَحَنِ فقط بل في حق الوطن.  أليس  أول الخلال التي يُؤتى منها السلطان،  كما كتب ابن المقفع منذ أكثر من ألف سنة  هو "الحرمان" ؟ و الحرمان هنا  هو  إبعاد أهل الرأي و  النجدة و الأمانة  و النصح و ما شابه ذلك و إن كان في ذلك العهد إبعاد الأخيار يقتصر ضرره في فقدان  الانتفاع من خصالهم لمواجهة المنافس ،  فإن في عصرنا يُضافُ إلى كارثة   "الحرمان" استفادة المنافس منهم لتأبيد سيطرته.
 فكم من ملفوظ فاشل بمقاييس تونس تميز و أبدع،  لمّا هاجر إلى دول بينها و بين تونس سنوات ضوئية في مجال التقدم العلمي و التكنولوجيا ؟  فمن ذا الذي  نفّره ؟ و  من ذا الذي  تجاهله ؟ و من ذا الذي  أَهدره ؟
كل موهبة تفتقت  خارج تونس بعد أن كانت مطمورةً داخلها،  أو نابغة أَدهشت الأجانب بعد أن كانت مغمورةً عندنا،  هي  كارثة تسبب فيها "رهوط" و جب تحديد درجة مسؤولية كل رهط منهم خلال  مسار النابغة أو الموهوب قبل أن يُغادر الوطن،  و ما من  "مجرم" ثبت  تعمّده التثبيط و الإحباط لنجوم كانت ستُنير سماءنا و أزهارٍ ستُضوِّع أجواءنا لا بد من محاكمته محاكمة "تليق" بأَوضع و أَحقرِ و أنذلِ المذنبين.
إن ملكة الدقة و المنطق تُكتسبُ و كلما كانت متطورة لدى أُمة إلا و بلغت شأوا عظيما في التقدم و العلم و سبر أَغوار المجهول،  فبرامجهم مضبوطة بالرقم و التاريخ و التوقيت،  إن استشرفوا لا يستبعدون أي  احتمال و إن حاكوا الماضي لا يُهملون أَدنى جزئية.
 هم يحتكمون إلى التجارب و البحث و الدراسات و العقل و نحن إلى الروايات و الخرافات و الأحاديث و النقل.
أتذكَّر مرة أن تفسيرا خاطئا لأحد الكلمات الفرنسية تسرب في قاموسهم الذي يضم مئات آلاف الكلمات فكان الاعتذار و التصويب يتصدَّرُ نشرة أَخبارهم الرئيسية  قبل أخبار الحكومة و الرئيس و الحرب و الرياضة و الفنِّ.
 إنها ثقافة الحزم و العزم و الدقة،  ثقافة عدم التهاون مع الغلط إذا تعلق الأمر بالعلم و التعليم بالاختبار و التقييم.
أما نحن فقد تعايشنا مع الأخطاء و مع الكلام الفضفاض لأن الدقة تتطلب جهدا  لا يقبل المتقاعس بذله، و المنطق يقتضي   ذكاء لا يتوفر في من أَفرزته منظومة "كن غبيا و اصمتْ" فلا غرابة أن يخلط وزير بين مليون دينار و مليار دينار،  و أن يُعلن خبير " بطم طميمه" عن رقم و لا يتحرج في استعمال عبارة "تقريبا" قبل رقم ينتهي بستة أصفار.
في مجال  الامتحانات فحدِّث و لا حرج عن الحماقات المرتكبة من "لِجانٍ"،  و ما أَدراك ما لجان في تونس ما أكثرها، ما أرفع كلفتها،  ما أَطول مدة تكليفها و استقرار أَعضائها لا يتغيرون أَبدا إلى سن التقاعد.
فعلى سبيل الذكر لا الحصر تضمَّن موضوع امتحان مادة التصرف للسنة الفارطة ما يُفيد استهلاك 8000 متر من القماش لتفصيل 40000 فستان للسيدات  (ليس رضعا أو أطفالا)  أي أن الفستان الواحد تطلب 20 سنتمترا من القماش؟؟؟؟
مبيعاتٌ تفوق الإنتاج رغم التنصيص على غياب المخزون .
إنتاجُ شهر واحد يُمثل أكثر من ثمانين بالمائة من الإنتاج السنوي مع العلم أن نشاط المؤسسة ليس موسميا ؟؟؟؟ إلى غير ذلك من الأخطاء التي لا يُمكن فهمها من دون أهل الاختصاص و يبدو أن مثل هذه المهازل  لا تخلو منها أي مادة.
إن مثل هذه الأخطاء تضرب المنطقَ في مقتلٍ فتكثر "زلاّتُ اللسانِ"  في تصريحات المسؤولين  و المهازل في أرقام الخبراء  و يضيق صدر الأذكياء فينسحبون و تزدهر سوق الأغبياء فيسودُون.
أما ما لا يقبله عقلُ ربع عاقلٍ كيف لوزارة بمديريها و حواسيبها و موظفيها و كتبتها  و متفقديها و خبرائها وسياراتها و هواتفها و عقاراتها و منقولاتها تُخطئُ  في عمل  بسيط جدًّا أَلا و هو  أن  تكون  الباكالوريا التجريبية  تجريبية   تنطلق بالأربعاء بدل الخميس كما حدث و يتمتع التلميذ براحة بيومين   بدل يومٍ واحد نتيجة هذا "السهو" الجماعي. و تلك حكاية أُخرى.
اختزل أَحدهم المقارنة بيننا و بين البلدان المتقدمة فقال لي : إنهم يُعِدّون جيلا عابرا للكواكب ينتقل بين القمر و  زحل و المشترى و المريخ و نحن سنخلق جيلا يعيش عابر سبيلٍ يقضي العمر في البحار و المطارات يبحث عن الأمن و الغذاء و لِمَ لا عن  الذكاء فحتى  الغباء  كم هجَّر من النوابغ  و المواهب رامت التحليق حيث  يُدربون من يسفُّ على الطّير عاليا  ليس مثلنا يترصدون كل طائر في الجو ليُنزلوه أرضا و يقصون جناحيه كي لا يُحلق ثانية أَبدا،  فالزواحف تزعجها الطيور و شتَّان بين عابر الكواكب و عابر السبيل.
المولدي عواشرية

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

معذرة إن تضمنت بطاقتي كلمات ما تعودت على ذكرها فأنا مجبر على الدخول من بابين باب «مخاطبة الناس بم
20:15 - 2019/07/17
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عشر سنوات أن يكون يوم 18 من هذا الشهر الجاري الذي يصادف الغ
20:15 - 2019/07/17
أشرف الجبري (خبير محاسب)
20:30 - 2019/07/15
تطرح اليوم مسألة القائمات المستقلة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الكثير من التساؤلات.
20:30 - 2019/07/15
يقول الكاتب الكويتي خليل علي حيدر في مقاله «جدل في البطّيخ والشّمّام» بمجلة «العربي» العدد 13 أفر
20:30 - 2019/07/15
إن الفكرة الجوهرية لهذه المقالة هي الدعوة إلى تدريب العقل التونسي على مبدإ جديد يسود اليوم العلاق
20:00 - 2019/07/11
آه لو كنا «توانسة صافين» لأعلنتها عالية علنا
20:00 - 2019/07/11