ضرورة الفصل بين الذاتي والموضوعي

ضرورة الفصل بين الذاتي والموضوعي

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/08/19

استفاق التونسيون صبيحة الخامس والعشرين من شهر جويلية 2019 على نبأ وفاة رئيس الجمهورية محمد الباجي قائد السبسي بعد أن راجت العديد من الشائعات عن تدهور صحته وعجزه عن آداء مهامه كرئيس للجمهورية إلى حد أن البعض من الأحزاب السياسية دعا وكيل الجمهورية الى التحوّل إلى قصر قرطاج لإستجلاء حقيقة الأمر والتأكد من سلامة صحته البدنية ومداركه العقلية.


تفاعلنا مع النبأ ككل المواطنين الذين رأوا في هذه الوفاة فقدان رجل دولة متمرّس وخبير في فترة تحتاج فيها البلاد إلى رجل وفاق يحكم إدارة اللعبة السياسية وتنظر فيها الأحزاب إلى السلطة كغنيمة وكعكة قابلة للإقتسام  وهو وضع يثير العديد من المخاوف خصوصا وأن تونس مقبلة على فترة مفصلية من فترات تاريخها الحديث، ونعني بذلك إنتخابات سنة 2019. تفاعلنا مع هذا الحدث لم يمنعنا من الفصل بين الذاتي والموضوعي وهوفصل يفرضه علينا تخصصنا كباحث في علم الاجتماع. تراءى لنا، ونحن نتابع تشييع الرئيس الراحل إلى مثواه الأخير بمقبرة الجلاز بتونس العاصمة، أن هذا البلد يعيش في هذه اللحظة أدق مرحلة من مراحل تاريخه بل أخطرها على الإطلاق لأن إنحراف الأحداث، في هذا لإتجاه أوذاك، قد يدخل البلاد في دوامة من الفوضى يصعب الخروج منها، وهوما فهمه بسرعة رئيس مجلس النواب عندما سارع بالإجتماع برئيس الحكومة ليعلن لاحقا عن انتقال سلس للسلطة يغلق الباب في وجه كل المتربصين والمسكونين برغبة شديدة في الإستحواذ عليها .


في هذا الإطار يتنزل تحذيرنا من الخلط بين الذاتي والموضوعي لأن الإنغماس في اللحظة والإنسياق وراء فيض المشاعر والإحاسيس قد يفوّت علينا فرصة التحكم في الأحداث لاحقا .
فالدموع التي ذرفها التونسيون أمام مدخل قصر قرطاج واصطفافهم على امتداد الطريق الرابطة بينه وبين مقبرة الجلاز وتحملهم لحرارة شمس حارقه وترديدهم للنشيد الوطني الرسمي وهتافهم بحياة تونس والجمهورية كلها أحداث يمتزج فيها الذاتي بالموضوعي.


معنى ذلك أن ما عايناه ينم فعلا عن حالة من الإعتراف بالجميل لرجل دولة عرف كيف يدافع عن قيم الجمهورية في محيط إقليمي وعالمي مضطرب وكيف يتصدى لتيارات كان همّها جرّ البلاد إلى مستنقع من الفوضى والإقتتال كنا قاب قوسين أوأدنى منه لوإنتصر الإسلام السياسي في كل من مصر وسوريا وليبيا، ولكن هذا الجانب الذاتي في التعاطي مع الحدث  ينبغي ان لا يحجب عنا جانبا موضوعيا نراه على درجة كبيرة من الأهمية لأن جانبا كبيرا من مشيعي الجنازة مسكونون به دون ان يعوه.
علم الاجتماع يشاطر الناس الامهم ومشاعرهم الا أنه ينتج خطابا قد لا يعجبهم بل قد يكون مصدر قلق بالنسبة إليهم.
فمظاهر الحزن والكأبة، والتي تخلوا من جمالية، تخفي في الحقيقة الكثير من المخاوف والهواجس القابعة في أعماق نفوس المشيعين.


عديد الأسئلة تراودهم وهم يتفاعلون مع الحدث: أي مصيرلنا بعد رحيل هذا الرجل؟ ماهي السيناريوهات المحتملة بعد رحيله؟ ما الذي يضمن لنا أن خلفه سيواصل فعلا في نحت البناء الديمقراطي المتعثّر؟ شاهدنا في موكب التعزية داخل القصر الرئاسي اثناء تأبين الراحل  وفي مقبرة الجلاز العديد من الحاضرين وهم يذرفون الدموع، ، لكن ذلك غير كاف للقول بأنهم يعيشون حالة حزن على الراحل .فالبعض منهم  تعمّد أن يسير في الإتجاه المعاكس لخطه السياسي وهوالذي فتح له أبواب السياسة على مصراعيها والبعض الأخر خذله وهوبصدد بناء رؤيته بل قاطعه وأساء اليه، وهي سلوكات لا تعكس موقفا معارضا اورؤية مختلفة عن رؤية الراحل بقدر ما تعبّر عن طمع أملاه على أصحابه إحساسهم بأنّهم لن يحققوا مأربهم السياسية بالبقاء تحت جبّة هذا الرجل.
حتى عامّة الناس الذين بكوه لا يدركون تحديدا لماذا يبكونه.كنا نسمع تبريرات من قبيل : "كان صاحب  نكته". " كان خفيف الروح" . "كان مرحا بشوشا" إلى غير ذلك من التبريرات التي لا تخاطب العقل بقدر ما تدغدغ الوجدان.
هؤلاء العامّة لا يملكون أيّة فكرة عن الاستراتيجية السياسية لهذا الرجل وعن فلسفته في الحكم. يغيب عنهم أن الفقيد كان مدافعا  شرسا عن فكرة "التغيير من الداخل"  والتي تجلت بوضوح في مسيرته السياسية . فانشقاقه  عن  الحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم وإنضمامه إلى حركة الديمقراطيين الإشتراكيين التي اختلف في صلبها مع بعض قادتها بشأن أسلوب التغيير وطبيعة العلاقة التي أقامها مع حركة النهضة كشريك في الحكم كلها أدلة على أن الرجل يلتزم خطا سياسيا محددا لا نظن أن الأغلبية الساحقة من مشيّعيه، بمن فيهم من مثقفين وساسة وفنانين، يدركونه حق الإدراك.


شق واسع من الرأي العام التونسي لام بشدة الفقيد لأنه توافق مع حركة النهضة بعد أن كان قد أعلن قبل ذلك أن هذه الحركة وحركة نداء تونس خطان متوازيان لا يلتقيان. يعبّر هذا الإعلان عن حالة من التناقض في السلوك الساسي للرجل عندما يفهم خارج دائرة الواقعية الساسية التي يتحرك في إطارها.
كان يدرك أن التوق إلى السلطة والوصول إليها وممارستها أمران مختلفان شديد الإختلاف. فهولا يلتقي مع حركة تمزج بين الدعوي والسياسي في الوقت الذي يسعى فيه الى بناء حركة تمكنه من الوصول إلى دفّة الحكم ليشرع في عملية بناء ديمقراطي لا تمثل الهوية الدينية الا ركنا من أركانها . كان شديد الوعي بالخطر الذي يشكله الإسلام السياسي على كيان الدولة وهوالذي أفنى عمره في سبيل إرسائها والدفاع عنها.
هي استراتجية مؤقتة لم تعد صالحة بعد ان وجد نفسه في أعلى هرم السلطة كرئيس للدولة، وهوما أملى عليه ركوب استراتجية جديدة تلزمه بالتوافق مع حركة النهضة الأمر الذي جعل البعض ممن يبكونه اليوم ينعتونه بالغدر وعدم الوفاء للمبادئ.
لقد فهم الراحل ان الصدام مع الحركة قد تكون نتائجه وخيمة على المجتمع وأنه لا مفر من السعي إلى تغييرها من الداخل عبر العمل معها كشريك سياسي.


كانت النتائج مبهرة عندما أعلنت حركة النهضة أنها فصلت بين الدعوي والسياسي وأنها تحولت إلى حزب مدني يلتزم باحترام مسار البناء الديمقراطي في تونس وينخرط في العملية السياسية الجارية وفيا لمبادئ دستور البلاد .
شعر الرجل بمرارة كبيرة عندما لاحظ ان الكثيرين ممن صنعهم سياسيا باتت تحركهم الأطماع السياسية لينشقوا عن حركته بل ان البعض منهم راح يغازل حركة النهضة علّها تتبناه في معارك سياسية مقبلة.
مرة أخرى تنجح استراتجية الرّجل في أن تدمج حركة النهضة في الحراك السياسي للبلاد حيث إخترقتها الصراعات من الداخل وطالتها الاستقالات التي طالت حركة نداء تونس بل بتنا نستمع إلى إلى نقد ذاتي لبعض رموز حركة النهضة ولا أدل على ذلك مما فجرته الخلافات داخل هذه الحركة حول القائمات المترشحة لتشريعية 2019. كل هذا ما كان ليحصل لولم يستمت هذا الرجل في الدفاع عن رؤيته السياسية وفي التعاطي مع المتغيّرات المحلية والإقليمية والدولية بعقلية السياسي الذي يؤمن بأن الأقصاء مهما كان نوعه  لن يجر إلا الى التقاتل الذي يكون ماله القضاء على مؤسسة الدولة.


لقد نجح، الى حد كبير، في أن يضع المجتمع على سكة إعادة بناء الدولة والحفاظ على مؤسساتها وهوما لم يعه أقرب المقربين إليه . فكيف سيعيه المواطن العادي الغارق في هموم يومية من قبيل غلاء المعيشة والتشغيل والتأمين الصحي؟
هذه الجوانب الموضوعية تظل عصيّة الفهم على المواطن العادي، وهوما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى تطابق سلوكه يوم الجنازة مع طريقة تعاطيه مع المحطات القادمة التي ستعرفها البلاد.
فصل الذاتي عن الموضوعي يقتضي من هذا المواطن أن يفهم أن استمرارية الدولة التي شدّد عليها الفقيد طيلة حكمه بل أوصى بالحفاظ عليها بعده لا تتحقق إلا إذا نأى بنفسه عن عمليات البيع والشراء التي يأتيها بعض سماسرة السياسة أثناء الحملة الانتخابية ومنح صوته لمن يتوسّم فيه نظافة اليد والسجل. فعملية الاقتراع ليست مجرد ذهاب الى الصندوق ودخول بيت الخلوة بل هي فعل يترجم درجة الإطلاع على برامج المترشحين ليقع بذلك الإختيار على مترشح تتوفر فيه كل مقومات رجل  الدولة لأن البلد في الوضع الراهن يحتاج الى شخصية تحسن تشخيص الأوضاع ووضع السياسات المناسبة  لمعالجتها.


نقول ذلك لأن الكل بعد تشييع الراحل سيعودون الى أجحارهم السياسة وسيعملون على الوصول إلى سدّة الحكم حتى وإن كانوا لا يمتلكون برامج تؤهلهم لذلك.
صحيح ان ما حدث في تشييع الرئيس الراحل ينمّ عن كثير من النضج والوعي بضرورة حماية مؤسسة الدولة وضمان استمراريتها ولكن ذلك لا يكتمل الا اذا ما ترجم الشعور والإحساس إلى فعل انتخابي مسؤول يأخذ فيه صاحبه في الإعتبار المصلحة العامة للبلاد ويسقط من حسابه كل الاعتبارات الشخصية التي تجعله يتعاطف مع هذا الطرف السياسي أوذلك بمقابل أوبدون مقابل، لذلك شدّدنا، في مقالنا، على ضرورة الفصل بين الذاتي مجسما في لحظة التوديع والتشييع والموضوعي ممثلا في التحديات المطروحة علينا في مجتمع يشهد حالة من إعادة البناء والهيكلة.

د. عمر الزعفوري   (باحث في علم الإجتماع)

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أسدل الستار على الشوط الأول من ماراطون الوصول الى المحطة الأولى في اتجاه قصر الرئاسة بقرطاج ..اثن
20:00 - 2019/09/21
كلام خطير ذلك الذي نطق به المرشح منصف المرزوقي على هامش اختتامه حملته الانتخابية أمس في باجة.
20:00 - 2019/09/14
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:00 - 2019/09/14
توشك الحملة الإنتخابية الرئاسية على النهاية، وقرب موعد الاقتراع ليختار المواطنون من سيتولى منصب ر
20:30 - 2019/09/13
من الصعب أن يُنصت الناس اليوم- ونحن على مشارف انتخابات رئاسيّة- للغة العقل إذ لميولاتهم الإنتخابي
20:20 - 2019/09/13
لم أجد أصدق وأدقّ من هذا النحت اللغوي تعبيرا عن حالتي مثل عديد التونسيّين قبل أيّام من الانتخابات
20:20 - 2019/09/13
أي نعم واللّه خوفا من اعتماد الفساد والاستئناسبالفضيحة في رؤية هلال الانتخابات المليحة في الخمار
20:20 - 2019/09/13
يلاحظ المتابع للحوارات مع المترشحين للانتخابات الرئاسية سواء بصفة فردية أو خلال المناظرات الجماعي
20:20 - 2019/09/13