فشل ذريع للديبلوماسية الفنية..دراما رمضان تدمّر صورة تونس

فشل ذريع للديبلوماسية الفنية..دراما رمضان تدمّر صورة تونس

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/05/23

تونس بلد الإجرام والفساد والانحطاط الأخلاقي والأوساخ، تونس بلد متخلف، غير آمن لا يستحق المجازفة بزيارته… في تونس شعب تافه، لا يستحق الاختلاط به… هذه تقريبا الصورة التي تروجها الدراما التونسية عن تونس. فهل هذا جائز فنيا ومقبول وطنيا؟
تونس ـ الشروق:
من «البوليس المكتف» إلى الشرطي الفاسد المرتشي المرفوق دائما بمساعد أبله ومتخلف ذهنيا هذه عينة من صورة الرجل المكلف بحفظ الأمن ومقاومة الجريمة والسهر على راحة المواطنين.
لنتفق أولا أن سلك الأمن ليس منزها ولا خاليا من الفساد والإجرام والارتشاء... مثله في ذلك مثل أي سلك أو قطاع آخر كالإعلام والقضاء والتعليم والنقل والصحة والثقافة والرياضة والسياسة فهل يجوز فضح الجانب السيئ في كل قطاع وخاصة في قطاع يمثل الدولة مثل السلك الأمني؟
المبدأ أن تتعهد الدراما والفن والإعلام بنقل صورة المجتمع كما هي دون تنميق حتى يسهل إصلاح الفاسد منها وتلميع الصالح فيها فتصور لنا المسؤول الفاسد والانحطاط الأخلاقي وغياب التحضر وتراكم الأوساخ وغياب الأمن وغياب المسؤولية والانتصاب الفوضوي والبناء العشوائي… لكن هذا المبدأ العام يخضع إلى عدد من الشروط والاستثناءات:


إهانة للدولة
يبدو الخطر الأول في عدم التحسب لعنصر المبالغة ذلك أن الإكثار مثلا من تقديم صورة سيئة عن رجل الأمن ـ ولو من باب الإضحاك البريء ـ يقزّم كل شرطي.
والخطر الثاني يكمن في وضع البيضة الفاسدة مع البيضة الصالحة في سلة واحدة والحال أن الموضوعية تقتضي الإقرار بوجود شرفاء وأصحاب مبادئ ومثل عليا في الأمن كما في القضاء والإعلام وغيرهما أما الأخطر فهو ضرب هيبة الدولة. فرجل الأمن هو ممثل الدولة بغض النظر عن هوية الحكومة التي تمسك بالسلطة وكل إهانة له هو إهانة للدولة. المثل ينطبق على الوالي والمعتمد والوزير ورئيس الدولة ورئيس الحكومة من حيث صفاتهم لا من حيث شخصياتهم.
معنى هذا أنه من الضروري تقديم الواحد منهم في أفضل صورة خدمة للدولة حتى لو كان الواحد منهم لا يستحق الاحترام والثناء في شخصه. ولنا أن نستفيد في هذا المجال من الدراما العالمية. ففي الأمريكية مثلا نشاهد الشرطي الوسيم والأنيق ومفتول العضلات والذي يضحي من أجل تطبيق القانون وإنقاذ المواطنين وخدمة بلده دون أن نضحك من شكله أو تخلفه ودون أن نراه أنموذجا لفساد سلكه.


التشجيع على الشذوذ
قد يقتضي السيناريو وجود أمني طريف كما تابعنا مثلا في سلسلة «أكاديمية الشرطة» الأمريكية المشهورة ولكن الشرطي الظريف أو الشرطية الطريفة يقدمان في النهاية أعمالا يفتخر بها سلكهما الأمني ودولتهما، وقد يتطلب السيناريو شرطيا أو مسؤولا فاسدا لكن التقديم لا يتضمن أي نوع من التهويل أو المبالغة بل يصور الفاسد في صورة الشاذ الذي يتعين إيقافه ومحاكمته حتى يكون القانون فوق الجميع وتكون الدولة محمية من أضرار أبنائها الفاسدين أو المجرمين.
تونس بلد محافظ نسبيا ومتحضر ومتفتح نسبيا أيضا، وكأي بلد آخر توجد في مجتمعه أنواع شاذة من الجرائم والسلوك والتصرفات والمشاهد والمناظر التي يجوز تصويرها وتمريرها وفق شروط تراعي المصلحة العامة وتماسك المجتمع.
أهم هذه الشروط أنه تم تقديم الواقعة أو الحالة بوصفها شاذة حتى يطلع المشاهد على دوافعها ونتائجها ويتحسب لعدم الوقوع فيها، لكن الدراما التونسية ـ مثلها مثل برامج الواقع ـ تصر على الحالات والسلوكات والجرائم الشاذة وتقدمها بصورة مكررة حتى تتحول في ذهن المشاهد من حالات شاذة أو غير موجودة إلى حالات عادية يمكنه أن يرتكب أي واحدة منها دون أن ينبذه بقية أفراد المجتمع.


تدمير ممنهج
هناك خطر فعلي على المجتمع وتماسكه وهناك تشجيع غير مباشر على الإجرام والإتيان بكل ما هو فظيع أو شاذ لكن هناك ما هو أخطر من الانعكاسات الداخلية بما أن الدراما التونسية بصدد تدمير صورة تونس في الخارج كما لو كان هناك اتفاق مبرمج على تدمير ممنهج:
أذكر خلال أواسط التسعينات من القرن الماضي أن وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني سئل في بلده عن ردة الفعل المصرية من التحاق التلفزيون الرسمي التونسي (تونس 7 آنذاك) بركب القنوات الفضائية وإمكانية منافسة الفضائيات المصرية فأجاب مبتسما بأن الخبر مفرح لأن مصر تربح قناة إضافية تروج الدراما المصرية. اليوم لا تكتفي قنواتنا بالترويج للدراما المصرية بل تخطتها إلى الدراما التركية والسورية بطريقة تجعل المشاهد التونسي يفتتن بروعة مصر وتركيا وسوريا من حيث المناظر الطبيعية أو نظافة المحيط أو روعة الشعب في أخلاق أفراده وتماسكهم وطيبتهم ومبادئهم أو حتى وسامة رجالهم وجمال نسائهم.


دور دبلوماسي
في بلد يرتفع فيه الحس الوطني والوعي يتم اختيار السيناريو والشخصيات والمناظر وحتى الديكور بعناية حتى تستفيد الدولة ولهذا نجد تفسيرا لفتنة بعض العرب بتركيا انطلاقا من مسلسلاتها وتضاعف عدد زوارها بما زاد في تنشيط سياحتها.
أما الدراما التونسية فتقدم عن تونس صورة شاحبة وبائسة وسيئة لا تشجع المشاهد العربي على زيارتها ولا على الافتنان بها لا ننسى أن الفضائيات التونسية تحظى بمتابعة محترمة في جل البلدان العربية وخاصة منها الجزائر وليبيا.
في ظل الفضائيات يمكن للدراما أن تلعب دورا دبلوماسيا رائدا يعود بالنفع على البلاد وشعبها، هذا ما تفطن إليه العالم إلا تونس حيث يتغلب الجهل على الوعي وتتفوق الرغبة في الربح المالي على الحس الوطني.
لولا إيماني بمصيبة الجهل وكفري بكل نظريات المؤامرة لقلت إن هناك نية مقصودة ومبيتة لتدمير المجتمع وتشويه صورة تونس خدمة لأجندات أجنبية.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

صادق مجلس نواب الشعب منذ قليل على تنقيح القانون الانتخابي برمته ب 128 صو
16:33 - 2019/06/18
تم منذ قليل رسميا التصويت على مقترحات التعديل التي اقترحتها الحكومة للفص
15:59 - 2019/06/18
أكدت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري(الهايكا)، على "مضيّها
15:37 - 2019/06/18
زعم الناشط السياسي لزهر العكرمي الثلاثاء 18 جوان وجود ضغوط كبيرة من فرنسا وايطاليا وبروكسل لعدم ت
15:28 - 2019/06/18
ردّ النائب بالبرلمان عن كتلة "الائتلاف الوطني" الصحبي بن فرج على رسالة نبيل القروي التي وجّهها ال
14:54 - 2019/06/18
نشرت مجلة "جون افريك" في عددها الأخير قائمة تضمنت أسماء 50 محاميا اعتبرتهم الاكثر تأثيرا في عالم
13:37 - 2019/06/18
تم صباح اليوم الثلاثاء خلال جلسة عامة بالبرلمان التصويت على إدارج مشروع القانون الأساسي المتعلق ب
13:24 - 2019/06/18
علمت الشروق اون لاين ان أسباب عدم انعقاد الجلسة العامة في البرلمان وتأخير انطلاقها بما يقارب الساعت
11:28 - 2019/06/18