مقدمات للمطر:حفــــر فــــي ذاكــــرة «جانفــــي»

مقدمات للمطر:حفــــر فــــي ذاكــــرة «جانفــــي»

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2019/01/09

مرة أخرى يحبس التونسيون أنفاسهم خوفا من تنفيذ الإضراب العام الذي يلوَح به الإتحاد العام التونسي للشغل يوم 17 من شهر جانفي الجاري، والذي قد تكون له انعكاسات شديدة الوطأة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا على الوضع العام للبلاد.
كل المؤشرات التي وصلتنا تؤكد أن الأطراف المعنية بالتفاوض ستتوصل إلى إتفاق يلغي الإضراب المعلن والذي مازال شبح قيامه يهدد الحكومة وحزامها البرلماني ناهيك عن رئاسة الجمهورية، التي تسعى جاهدة لدفع المنظمة النقابية والحكومة نحو توافق يرضي الطرفين، فقد أعلن رئيس الجمهورية صراحة في لقاء قبل أيام هول ما يمكن أن يحصل لتونس في صورة تحول إعلان الإضراب العام إلى واقع.
الغريب في الأمر أن أيام جانفي الباردة سرعان ما تتحول إلى أيام شديدة الحرارة في المزاج التونسي العام، فالتونسيون راكموا أحداثا شديدة الوطأة عليهم عرفوها في تاريخهم القريب والبعيد خلال هذا الشهر الذي كاد  يصبح في مخيالهم الجمعي الشهر الذي يشكل أهم تحولات أقدارهم بمسراتها وأزماتها.
في هذه المقدمات وإنعاشا لذاكرتنا نرصد أهم الأحداث التاريخية التي كان جانفي مسرحا لها إسهاما في تأسيس وعي عام قد يفيد التونسيين في خياراتهم بدءًا من فعل الإحتجاج ووصولا إلى إنجاز الثورة. 
لقد شهدت العلاقة بين الحزب الدستوري الحاكم آنذاك والإتحاد العام التونسي للشغل تصعيدا حادًا بداية من السبعينات نتيجة مطالب عمالية ونقابية وسياسة التصعيد التي انتهجها نظام الزعيم بورقيبة خاصة بإعلان الإتحاد الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 بعد انعقاد مجلسه الوطني أيام 8 و9 و10 جانفي 1978 وكانت هذه التواريخ بداية الحسم في قرار الإضراب سيما بعد فشل جميع المساعي الداخلية والخارجية لفض النزاع، واشتعال فتيل المسيرات والمظاهرات التي عمت البلاد خاصة بمدينة صفاقس ومدينة قصر هلال والتي واجهها نظام بورقيبة وذلك قبل أيام فقط من موعد 26 جانفي  سيما بعد إقالة وزير الداخلية آنذاك «الطاهر بلخوجة» المعروف بعدم ميله إلى الحل الأمني وتعيين وزير الدفاع «عبد الله فرحات» مكانه مما ساهم في اشتعال الوضع أكثر ونزول الجيش لأول مرة إلى الشوارع وانتشاره في العاصمة يوم 26 من هذا الشهر.
وتؤكد تقارير مستقلة أن حوالي 400 قتيل سقطوا في الأحداث وجرح أكثر من ألف مواطن نتيجة المواجهات بين الجيش والأمن من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى في حين أقرت حكومة «الهادي نويرة» بسقوط 52 قتيلا و365 جريحا فقط.
من جهة أخرى فإن «أحداث قفصة»، هو الإسم الذي أطلق على العملية المسلحة التي قام بها كوموندوس من المعارضين التونسيين ذوي توجه عروبي في جانفي 1980 بعد تسربه إلى مدينة قفصة. تمكن المهاجمون من السيطرة على أغلب مراكز المدينة إلا أن دعواتهم للسكان إلى التمرد باءت بالفشل. وبذلك تمكنت قوات الأمن والجيش التونسي في نهاية المطاف من إعادة السيطرة على المدينة وأسر قادة المجموعة، بعد سقوط عدد كبير من الضحايا، وأدت العملية إلى تأزم حاد في العلاقات بين تونس وليبيا من جهة وبين تونس والجزائر من جهة أخرى.
انتفاضة الخبز لسنة 1984 انطلقت من مدينة دوز بالجنوب التونسي ومع دخول مشروع الزيادة في أسعار العجين ومشتقاته حيز التنفيذ يوم 1 جانفي 1984 شملت الحركة الإحتجاجية مناطق الشمال والوسط الغربي في الكاف والقصرين وتالة وبقية مناطق الجنوب في قفصة وقابس ومدنين، مما استدعى دخول الجيش لهذه المناطق بعد أن سجل عجز قوات النظام العام في الحد من توسع الإنتفاضة ومع إعلان وزارة الداخلية يوم 2 جانفي عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق قبلي والحامة والقصرين وقفصة، دخلت المنطقة الصناعية بقابس في إضراب شامل ومسيرات كبرى شارك في تنظيمها كل من العمال والطلاب كما التحق طلبة الجامعات والمدارس الثانوية في مدن تونس وصفاقس بالشوارع معبرين عن رفضهم إلغاء الدعم عن العجين ومشتقاته.
في يوم 3 جانفي بلغت الانتفاضة أوج أحداثها وباتت المواجهة مفتوحة بين المتظاهرين من ناحية وقوات النظام العام والجيش من ناحية أخرى، وأصبح العنف سيد الموقف فأحرقت المحلات والسيارات والمؤسسات والحافلات في شوارع العاصمة وضواحيها وفي كثير من المدن في الساحل وفي الدواخل، لقد نجم عن ذلك إطلاق الرصاص وسقوط مزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين ولكن الاحتجاجات لم تتوقف إلا مع إعلان الرئيس بورقيبة التراجع عن الزيادات المعلنة.
ثورة الحرية والكرامة هي الأخرى، ولئن انطلقت بآحتجاجات شعبية بلغت ذروتها بإحراق «محمد البوعزيزي» نفسه بمدينة سيدي بوزيد أياما قليلة قبل شهر جانفي (17 ديسمبر) فإن الإطاحة بالرئيس «بن علي»  وخروجه من تونس كان يوم 14 جانفي وقد تتالت أحداث أخرى هامة خلال نفس الشهر منها استقالة رئيس الوزراء «محمد الغنوشي» وحل البوليس السياسي ... وبذلك دخلت تونس عهدا جديدا انطلق عمليا بانتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011.
 من المفارقات العجيبة كذلك فإن إلغاء العبودية من البلاد التونسية الذي سبقت به تونس أمريكا وفرنسا قد تم بموجب أمر أصدره باي تونس «أحمد الباي» (1837-1855) يوم 26 جانفي 1846 مكرسا بذلك أول حق طبيعي من حقوق الإنسان، ألا وهو حرية الإنسان في التصرف في ذاته.
كما صدر أول دستور تونسي رسميا يوم 29 جانفي 1861 في عهد «محمد الصادق باي» (1859-1882) وقد جاء هذا الدستور معلنا جوانب مختلفة من حقوق الإنسان سواء الأساسية منها أوالإقتصادية والإجتماعية في أكثر من ثلاثة و ثلاثين فصلا من مجموع 114 فصلا.
شهر جانفي هذا – يظل شهر الأحداث الاجتماعية والسياسية الكبرى في تونس، فماذا يحمل جانفي 2019 للتونسيين من مفاجآت، أم أن سيرورة التاريخ من خلال ما رصدنا تؤكد اندلاع أحداث أخرى تضاف لسجلات «جانفي « تونس؟ !

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

تؤكد الإحصائيات أن تونس تحتل المركز الثاني عربيا في هجرة الأدمغة والكفاءات.
20:00 - 2019/01/19
في السياق الوطني العام، لا يُمكن للإضراب العام الذي نفّذهُ أوّل أمس الاتحاد العام التونسي للشغل أ
20:00 - 2019/01/19
تسبقة على الحساب:
20:00 - 2019/01/19
لا شكّ أنّ الإضراب العام الذي عاشت على وقعه بلادنا يوم أمس يطرح أكثر من سؤال ويدعو الى اكثر من اس
20:00 - 2019/01/18
تحفظ ذاكرة الشعب التونسي صورا مؤلمة وقائمة عن الأحداث التي شهدتها البلاد ذات 26 جانفي من عام 1978
20:00 - 2019/01/17
توشّح «تسعة» العام لو دقّقنا النّظر في 2019 الميلاديّ و1439 الهجريّ و2969 الأمازيغيّ.
20:00 - 2019/01/17
كتب الهادي دحمان مدير مركزي سابق بالصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتما
18:41 - 2019/01/17
منذ تبلور الحركة السياسية الفلسطينية وتَشكُل الخلايا الفدائية الأولى كان الشباب عمودها الفقري ، ك
05:03 - 2019/01/17