ملف الاسبوع .. كيف واجه الاسلام ظاهرة العنف داخل المجتمعات

ملف الاسبوع .. كيف واجه الاسلام ظاهرة العنف داخل المجتمعات

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق - تاريخ النشر : 2018/11/02

 تكاثرت خلال الايام الاخيرة عديد مظاهر العنف في مجالات مختلفة سواء كان ذلك في مجالات الارهاب او في المجالات الشائعة مثل الملاعب الرياضية وهو ما يسلط الاضواء على هذه الظاهر والبحث في كيفية معالجتها على مستوى الشريعة الاسلامية السمحة .
إن القاعدة الأساسية في الإسلام هي محقونية الدماء وعصمتها مع غضّ النظرعن هوية أصحابها المذهبية والدينية، لأن القتل وسفك الدماء قبيح في شريعة العقل والعقلاء باعتباره مصداقا واضحا للظلم وهو مما استقل العقل بقبحه، وأمّا في شريعة السماء فإن حفظ النفوس من أهم المقاصد التي هدفت الشريعة إلى تحقيقها، ولذا اعتبر الله سبحانه أن قتل نفس واحدة تعادل قتل البشر جميعا وأن إحياءها يعادل إحياءهم جميعا قال تعالى «  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً « .فيلاحظ أن الآية لم تضف أي قيد على النفس التي يحرم قتلها مثل قيد الإسلام أو الإيمان، في دلالة واضحة على أن عصمة الدماء تتجاوز كل الأطر الدينية أو غيرها، وإذا كانت بعض الروايات أضافت قيد المسلم أو المؤمن على النفس التي يحرم قتلها، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  « من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة : آيس من رحمة الله «  فإن ذلك خاضع لظروف الكلام ومناسبة قوله، ولا دلالة فيه على نفي العصمة عن دم غير المسلم، ومن هنا ورد في الروايات الكثيرة الأخرى التأكيد على حرمة غير المسلم وعصمة دمه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال  « من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما « .
ولمزيد من الاهتمام بالنفس الإنسانية وردت في النصوص الإسلامية تحذيرات شديدة اللهجة بشأن الإقدام على سفك الدماء والاستهانة بالأرواح والإعانة على الجريمة ولو بشطر كلمة، ففي الحديث عن ابن عمر قال : قال رسول الله: “إنّ من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة «  وقال ايضا : « لزوال الدنيا أهون على الله من دم يسفك بغير حق «.
وانطلاقا من هذه النصوص وغيرها أسّس الفقهاء قاعدة خاصة في باب النفوس والدماء، هي قاعدة الاحتياط، خلافا للقاعدة العامة المحكّمة في أكثر الأبواب الفقهية وهي قاعدة البراءة والإباحة، ومفاد الاحتياط هنا : أن أدنى شبهة كفيلة بحقن دم الإنسان ولو كان قاتلا أو متهما بالقتل. وذلك كلّه لا بدّ أن يؤسّس لذهنية إسلامية تتورع عن سفك الدماء وتتجنب الخوض في كل ما يؤدي أو يعين على سفكها بغير حق. وعن رسول الله ايضا  : « كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم « .، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ترويع المؤمن وتخويفه، ففي الحديث عنه: « من روّع مؤمنا لم يؤمن الله روعته يوم القيامة…»  واعتبر أن حرمة المؤمن هي قدس الأقداس وليس فوقها حرمة ولذا قلى رسول الله مخاطبا الكعبة : « ما أطيبك وأطيب ريحك  ما أعظمك وأعظم حرمتك  والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه وأن يظن به إلاّ خيرا «.
ولمعالجة مظاهر العنف لا بد من السعي الى تعزيز ثقافة التسامح ونشر رسالة المحبة والتأكيد على احترام الآخر في نفسه وماله وعرضه، ورعاية حقوقه وحفظ إنسانيته وكف الأذى عنه .  فكل أنواع العنف التي حرمها الإسلام هي عنف لا مشروع،  سواء تعلق بالفرد، او بالأسرة، او بالجماعة أو بالدولة، فهو من قبيل الاعتداء والظلم والترويع والترهيب بغير حق. وصاحبه آثم معاقب عند الله.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

ان علم اصول الفقه قد اصبح في حقيقة الامر سياجا للمذاهب ، ومقيدا للفقهاء بحيث انه هو الذي تقاصرت ب
20:30 - 2018/11/16
أسئلة متنوعة من قراء جريدة الشروق الأوفياء تهتم بكل مجالات الشريعة الإسلامية السمحة فالرجاء مراسل
20:30 - 2018/11/16
المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشرى جميعه؛ فلقد عبر القرآن الكريم ع
20:00 - 2018/11/16
شهر ربيع الأول هو شهر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بامتياز.
20:00 - 2018/11/16
اتخذ كثير من النّاس في عديد من البلدان الإسلامية من المولد النبوي الشريف عيدا سنويا تقام فيه الاح
20:00 - 2018/11/16
تعتبر الاخلاق اخطر المبادئ واكثرها تأثيرا في المجتمع واكثرها قدرة على تكييفها سلبا او ايجابا .
20:30 - 2018/11/09
         
20:30 - 2018/11/09
كانت نشأة علم اصول الفقه لاجل ضبط مواقع الخلاف بين امصار الفقهاء التي تأسست بفقهاء الصحابة رضي ال
20:30 - 2018/11/09